عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
73
قاب قوسين وملتقى الناموسين في معرفة سيد الكونين
ورد في الخبر : « من سنّ سنّة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة » « 1 » . فله صلى اللّه عليه وسلم أجر جميع الخلق ، بل الكل في ميزانه ، بل الكل قطرة من بحره ؛ لأنه الأصل وهم الفرع . ويكفي هذا القدر من ذكر جميل أفعاله ومليح أقواله وأحواله صلى اللّه عليه وسلم التي هي أظهر من الشمس ، ويكفيك ما ورد من ورم أقدامه لطول قيامه صلى اللّه عليه وسلم على أنه مغفور له . ومن شدة الحجر على بطنه من شدة الجوع ، وقد أوتي مفاتيح خزائن الأرض « 2 » .
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 431 ) ، ومسلم ( 2 / 705 ) . ( 2 ) والخزائن جمع خزانة ، وهي محل العطيات للملوك ، ومكان مدخرهم ، وهو تعالى الملك . قال تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ [ الحجر : 21 ] ف ( إن ) نافية ، و ( شئ ) نكرة يفيد العموم لوقوعه في سياق النفي ، فكل ما هو موجود في الخارج كان قبل مخزونا في خزانة غيبه تعالى ، ولم يزل مخزونا ، ولظلمة الخزائن كانت الأشياء محجوبة عن أنفسها ، فإذا رش عليها نور الوجود الخارجي انكشفت وظهرت ، فالأشياء المخزونة موجودة في حال عدمها ، والفواضل جمع فاضلة وهي النعمة والعطية ، والمستودع : محل الوديعة ، ويطلق عليها : أمانة . قال تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ [ الأحزاب : 72 ] ، والأمين هو السالم من المكر والخديعة ، ولكل سلطان أمين على ما عنده مخزونا ومخبأ ، فهو صلى اللّه عليه وسلم أمين اللّه على خزائنه ومحل نعمه وفيوضاته ؛ لما ورد أنه صلى اللّه عليه وسلم خصّ بست لم تكن لنبيّ قبله ، إحداها : أنه أعطى مفاتيح الخزائن . قال حضرة الشيخ : هي خزائن أجناس العالم ؛ ليخرج إليهم بقدر ما يطلبونه بذواتهم ، وبذلك تكون السيادة له صلى اللّه عليه وسلم لافتقار الخلق إليه . وقد ذكر في الفتوحات : أن كل ما ظهر من رزق في العالم فإن الاسم الإلهي لا يعطيه إلا عن أمر محمد صلى اللّه عليه وسلم ، الذي بيده المفاتيح . كما اختص تعالى بمفاتيح الغيب فلا يعلمها إلا هو تعالى ، وهذا الإعطاء يتوقف على وصفي الحفظ والعلم ، من أجل ذلك قال يوسف عليه السّلام : إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [ يوسف : 55 ] حين سأل أن يكون على خزائن الأرض ، وهو صلى اللّه عليه وسلم الحفيظ العليم فلا يعطي إلا بقدر مخصوص لحفظه ، ولا ينقص شيئا لعلمه بالطالب والمطلوب ، وسيأتي مزيد على ذلك . -